المنجي بوسنينة

271

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الدين أحمد بن سعيد فقد ولي الإنشاء لثلاثة من السلاطين في دولة المماليك البحريّة ، ورأس الديوان في عقد السلطان أشرف خليل - آخر الثلاثة - ولقّب بالصاحب ، وهو لقب لمن بلغ مرتبة الوزارة . وأمّا أبوه عماد الدين إسماعيل فقد تولّى أيضا كتابة السرّ للسلطان الأشرف خلفا لوالده تاج الدين ، وكان معروفا بمروءته ومكارم أخلاقه ، ومشتهرا بورعه وزهده ، فضلا عن عمله وثقافته . وكما لم تذكر المصادر شيئا عن مولد نجم الدين لم تذكر شيئا عن ثقافته باستثناء ما ذكره ابن حجر من أنّه « سمع الصحيح من ابن الشحنة » . ويضيف أنّه كان « من كبار الرؤساء بالقاهرة ، ومن كتاب الإنشاء ، وممّن يحضرون دار العدل بين يدي السلطان » كما لقّب بالصدر الكبير ، توفي بالقاهرة في 13 صفر 737 ه . وكان عمله بديوان الإنشاء ضمن كتاب الدرج ، وتولّى ذلك في عهد عمّه علاء الدين الذي كان على صلة قويّة بالناصر قلاوون ، فولّاه رئاسة الديوان وظلّ بها خمسة عشر عاما ( 711 - 726 ) ، ولم يدع هذه الوظيفة إلّا بعد أن أقعده المرض . في هذه الآونة عمل نجم الدين في كتابة الدرج ، وهي أقل المراتب في سلّم وظائف الإنشاء حيث ينحصر عمل كتّاب الدرج في كتابة ما يتمّ الاتّفاق عليه . ويعلو هذه الوظيفة وظيفة كتاب الدست الذين يجلسون مع رئيسهم بمجلس السلطان ويوقّعون على ما تمّ الاتفاق عليه بعد توقيع الرئيس . أمّا أعلى وظائف الديوان فهي رايسته ويلقّب شاغلها بكاتب السرّ أو صاحب الديوان ، ومن مهامّه الاطّلاع على أسرار السلطان والتوقيع عنه قبل أن يوقّع كتاب الدست [ صبح الأعشى ، ج 1 ، ص 137 - 138 ] . ويستخلص ممّا تقدّم أنّ نجم الدين لم يبلغ مراتب آبائه وأقربائه من أبناء بني الأثير الحلبيّين . بيد أنّه ينبغي أن يكون قد بلغ من العلم والفضل ما يحقّق له أن يكون أحد كتاب الإنشاء أيّا كانت الوظيفة التي يشغلها في سلّمه ، فمن أهمّ شروط الكاتب أن يكون « أديبا فقيها عالما باللّه ، كافيا فيمن يتولّاه ، أمينا فيما يستكفاه ، حادّ الذهن ، قويّ النفس ، حاضر الحسّ ، جيّد الحدس ، محبّا للشكر ، عاشقا لجميل الذكر ، طويل الرّوح ، كثير الاحتمال ، حلو اللّسان ، له جراءة يبتّ بها الأمور على حكم البديهة ، وفيه تؤدة يقف بها فيما يتصرّح على حدّ الرويّة ، ويعامل الناس بالحقّ على أقرب طرقه وأسهل وجوهه ، ولا يحتشم من الرجوع عن الغلط » . ولم يؤثر عن نجم الدين أنّه صنّف شيئا من كتب أو رسائل ، باستثناء اختصاره كتاب أبيه « كنز البراعة في أدوات ذوي البراعة » ( جوهر الكنز ) . ولقيت فكرة تلخيص المصنّفات - خاصّة إذا كانت ضخمة - رواجا في هذا العصر الذي ازدهرت فيه حركة التأليف ، وبخاصة في علوم القرآن والحديث واللّغة والأدب والتاريخ . ولهذا الازدهار أسباب كثيرة يهمّنا منها ما يتّصل بالإنشاء ؛ فاتّساع رقعة الدّولة الإسلاميّة وحاجة المماليك إلى الكتّاب الذين كان لهم الدور المبرّز في تصريف شؤون الملك أحوج إلى وجود هذه الفئة ، ولهذا اتّجه المؤلّفون إلى وضع